▶

"سلسلة لازم تتحرر - (1) التحرر من الغفلة | مع الشيخ أمجد سمير: كيف نتخلص من الغفلة ونعيش بوعي؟"

3442 مشاهدة
2025 Mar

التحرر من الغفلة: كيف تستعيد وعيك بقيمة الوقت وتعيش حياتك بانتباه؟ | الشيخ أمجد سمير

تمر الأيام بسرعة، وقد يستيقظ الإنسان فجأة ليكتشف أن شهورًا أو سنوات مضت دون أن يحقق ما كان يريده، أو أن جزءًا كبيرًا من وقته استُهلك في أشياء لم تضف شيئًا حقيقيًا إلى حياته. وهنا تظهر صورة من صور الغفلة قد لا ننتبه إليها بسهولة.

فالغفلة ليست دائمًا ترك العبادة أو الابتعاد الظاهر عن الله، بل يمكن أن يكون الإنسان ملتزمًا ويؤدي كثيرًا من واجباته، ومع ذلك يعيش غافلًا عن قيمة عمره، ويهدر ساعات يومه دون أن يدرك أن الوقت الذي مضى لن يعود.

في الحلقة الأولى من سلسلة «لازم تتحرر» ضمن بودكاست «فاهم»، يناقش الشيخ أمجد سمير هذا المعنى المختلف للغفلة، ويربطه بقيمة الوقت وتكلفة الفرصة البديلة وندرة العمر، وكيف يمكن للإنسان أن يتحرر من الحياة التلقائية ويصبح أكثر وعيًا بما يفعله وأين يذهب وقته.

الشيخ أمجد سمير من الدعاة المعاصرين المهتمين بتقديم المحتوى العلمي والتربوي وتبسيط عدد من الموضوعات الشرعية، وله دروس وسلاسل متعددة، وتُعد سلسلة «لازم تتحرر» من أبرز مشاركاته مع بودكاست فاهم.

كيف نتحرر من الغفلة ونستعيد السيطرة على وقتنا وحياتنا؟

من أخطر أشكال الغفلة أن يشعر الإنسان أن أمامه دائمًا وقتًا طويلًا. يقول لنفسه: سأبدأ غدًا، أو بعد انتهاء هذه المرحلة، أو عندما تتحسن ظروفي.

ثم يأتي الغد وتبقى الأشياء كما هي، ويتحول التأجيل من موقف مؤقت إلى أسلوب حياة.

الوقت مورد مختلف عن المال؛ فالمال الذي تفقده قد تستطيع تعويضه، أما الساعة التي انتهت من عمرك فلا توجد وسيلة لإعادتها.

ولهذا فإن أول خطوة للتحرر من الغفلة هي إدراك ندرة الوقت. فالعمر محدود حتى وإن لم نكن نعرف متى ينتهي.

وعندما يفهم الإنسان هذه الحقيقة بعمق، تبدأ بعض الأمور الصغيرة التي كانت تستنزف ساعات طويلة من يومه في فقدان أهميتها.

يمكن أن يكتشف مثلًا أنه يقضي ساعات في تصفح الهاتف دون هدف، أو ينتقل بين مقاطع قصيرة لا يتذكر معظمها بعد دقائق.

المشكلة ليست في الراحة أو الترفيه، فالإنسان يحتاج إليهما، وإنما في أن يستهلك الترفيه المساحة التي كان من المفترض أن تذهب إلى أشياء أكثر قيمة.

ومن المفاهيم المهمة هنا تكلفة الفرصة البديلة. كل مرة نختار فيها شيئًا، فنحن في الوقت نفسه نتخلى عن شيء آخر كان يمكن أن نفعله في هذا الوقت.

ساعة قضيتها في تصفح محتوى بلا هدف ليست ساعة تصفح فقط، بل ربما كانت ساعة كان يمكن أن تستخدمها في تعلم مهارة أو الجلوس مع أسرتك أو ممارسة الرياضة أو قراءة القرآن أو إنهاء عمل مهم.

السؤال إذن لا يكون فقط: هل هذا الشيء حرام أم حلال؟ بل يمكن أن يكون: هل يستحق هذا الشيء جزءًا من عمري؟

وهذا السؤال وحده يمكن أن يغير الكثير من العادات اليومية.

ومن علامات الغفلة أيضًا أن يعيش الإنسان طوال اليوم في وضع رد الفعل. يستيقظ فيفتح الهاتف، ويرد على الرسائل، ثم ينتقل من مهمة إلى أخرى بناء على ما يطلبه الآخرون منه.

وفي نهاية اليوم يشعر بأنه كان مشغولًا للغاية، لكنه لا يستطيع تحديد ما الذي أنجزه فعلًا.

الانشغال ليس دائمًا دليلًا على الفاعلية. قد يكون الإنسان مشغولًا في عشرات التفاصيل الصغيرة بينما أهم الأشياء في حياته لا تتقدم.

لذلك يحتاج إلى أن يسأل نفسه باستمرار: ما أولوياتي الحقيقية؟

إذا كانت الأسرة مهمة، فهل تحصل على وقت حقيقي؟ وإذا كان العلم مهمًا، فهل هناك وقت للتعلم؟ وإذا كانت العلاقة بالله أولوية، فهل ينعكس ذلك على جدول اليوم؟

قد نكتشف أحيانًا أن الأشياء التي نقول إنها أهم ما في حياتنا تحصل على أقل جزء من وقتنا.

ومن خطوات التحرر من الغفلة أن يصبح الإنسان أكثر انتباهًا إلى كيف يبدأ يومه.

الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ يمكن أن تحدد مسار ساعات طويلة بعدها. فإذا بدأ الإنسان يومه بالتنقل العشوائي بين الإشعارات والمواقع، يصبح ذهنه في حالة استجابة مستمرة للمشتتات.

أما إذا بدأ بصورة أكثر هدوءًا، بالصلاة والذكر وتحديد أهم المهام، يصبح لديه قدر أكبر من السيطرة على يومه.

كما أن التخطيط لا يحتاج إلى نظام معقد. قد تكفي كتابة ثلاث أولويات أساسية تريد إنجازها خلال اليوم.

المهم ألا تمتلئ القائمة بعشرين مهمة ثم يشعر الإنسان بالفشل لأنه لم يكملها.

ومن أشكال الغفلة أيضًا تأجيل الأشياء المهمة لأنها ليست عاجلة.

الصحة مثلًا قد لا تبدو مشكلة اليوم، لذلك يؤجل الإنسان الرياضة والنوم المنتظم. والعلاقة مع الأبناء قد تبدو مستقرة، فيؤجل الوقت الذي يقضيه معهم.

والتعلم لا يوجد له موعد نهائي، فيؤجل الكتاب أو الدورة التي يريد إنهاءها.

ثم بعد سنوات قد يكتشف أن الأشياء التي لم تكن عاجلة كانت من أهم الأشياء في حياته.

ومن هنا تأتي أهمية تخصيص الوقت للأمور المهمة قبل أن تتحول إلى أزمات.

كما أن التحرر من الغفلة يحتاج إلى تقليل الحياة الآلية. هناك أشياء نفعلها كل يوم لأننا اعتدنا عليها فقط، دون أن نسأل هل ما زالت مناسبة لنا أم لا.

قد يستمر الإنسان في متابعة عشرات الحسابات التي لا يستفيد منها، أو في عادة اجتماعية تستهلك وقته، أو في نشاط لم يعد يخدم أي هدف.

مراجعة هذه العادات تساعده على استعادة جزء كبير من وقته.

ومن الأسئلة المفيدة: لو كنت أبدأ حياتي اليوم، هل سأختار هذه العادة مرة أخرى؟

إذا كانت الإجابة لا، فقد تكون هناك حاجة لإعادة النظر فيها.

والتحرر من الغفلة لا يعني أن يتحول الإنسان إلى آلة إنتاج تعمل طوال اليوم.

فالراحة والنوم والمرح والجلوس مع الأسرة أشياء مهمة، وقد تكون هي نفسها من أفضل استخدامات الوقت عندما تكون في موضعها الصحيح.

الفكرة هي أن يكون الإنسان هو الذي يختار أين يذهب وقته بدلًا من أن تسرقه العادات والمنصات والمشتتات دون أن يشعر.

ومن الأمور المهمة أيضًا تذكر أن لكل مرحلة من العمر فرصًا قد لا تتكرر بالطريقة نفسها.

قد تكون لديك اليوم صحة تسمح لك بالتعلم والعمل والسفر، أو والدان تستطيع الجلوس معهما، أو أبناء ما زالوا صغارًا، أو مساحة من الوقت لن تكون موجودة بعد سنوات.

الغفلة تجعل الإنسان يتعامل مع هذه الأشياء وكأنها دائمة، بينما الوعي يجعله يدرك قيمتها قبل فقدها.

وهذا لا يعني أن يعيش الإنسان في خوف مستمر من المستقبل، وإنما أن يتعلم تقدير الحاضر.

ومن أقوى الوسائل لمواجهة الغفلة أن يخصص الإنسان وقتًا دوريًا لمحاسبة نفسه.

يمكن في نهاية الأسبوع أن يسأل: أين ذهب وقتي؟ ما أكثر شيء استفدت منه؟ وما أكبر شيء استنزفني دون فائدة؟

هذه المراجعة البسيطة تكشف كثيرًا من الأنماط التي يصعب ملاحظتها أثناء زحام الأيام.

وقد يكتشف الشخص أن المشكلة ليست نقص الوقت أصلًا، وإنما توزيع الوقت.

فالجميع يمتلك أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، لكن الاختلاف الكبير يظهر في الأولويات والاختيارات.

كما أن الاقتراب من الله يساعد الإنسان على إعادة ترتيب هذه الأولويات؛ لأن تذكر الآخرة يجعل للحياة منظورًا مختلفًا.

عندما يتذكر الإنسان أن عمره ليس مفتوحًا بلا نهاية، يصبح أكثر حرصًا على ما ينفعه في دينه ودنياه، وأقل استعدادًا لإهدار سنواته في أشياء لا تستحق.

والبداية لا تحتاج إلى تغيير الحياة بالكامل. يمكن أن تبدأ بمراقبة ساعة واحدة من يومك، أو حذف مصدر واحد من مصادر التشتيت، أو وضع وقت ثابت لشيء كنت تؤجله منذ فترة.

فالتحرر من الغفلة يبدأ بالانتباه، ثم يتحول الانتباه إلى اختيار، ويتحول الاختيار مع التكرار إلى طريقة مختلفة في الحياة.

والإنسان الواعي بقيمة عمره لا يحتاج إلى أن يملأ كل دقيقة بالعمل، لكنه يعرف لماذا يفعل ما يفعله، وما الذي يستحق وقته، وما الذي يجب أن يتركه قبل أن يكتشف متأخرًا أن عمره مر وهو مشغول بأشياء لم تكن مهمة حقًا.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

422895 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7287 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5336 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

14095 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

11130 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

23170 مشاهدة
2025 Jan